فخر الدين الرازي

405

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ذلك موجباً للثواب والرفعة . ثم قال تعالى : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ قال أصحاب العربية : أصل الإخلاد اللزوم على / الدوام ، وكأنه قيل : لزم الميل إلى الأرض ، ومنه يقال : أخلد فلان بالمكان ، إذا لزم الإقامة به . قال مالك بن سويد : بأبناء حي من قبائل مالك * وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا قال ابن عباس : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يريد مال إلى الدنيا ، وقال مقاتل : بالدنيا ، وقال الزجاج : سكن إلى الدنيا . قال الواحدي : فهؤلاء فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا ، وذلك لأن الدنيا هي الأرض ، لأن ما فيها من العقار والضياع وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان مستخرج من الأرض ، وإنما يقوى ويكمل بها ، فالدنيا كلها هي الأرض ، فصح أن يعبر عن الدنيا بالأرض ، ونقول : لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه ، ولكنا لم نشأ ، إلا أن قوله : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه قوله : وَاتَّبَعَ هَواهُ معناه : أنه أعرض عن التمسك بما آتاه اللَّه من الآيات واتبع الهوى ، فلا جرم وقع في هاوية الردى ، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم ، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته ، وعلمه الاسم الأعظم ، وخصه بالدعوات المستجابة ، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب ، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم اللَّه في حقه أكثر ، فإذا أعرض عن متابعة الهدى وأقبل على متابعة الهوى ، كان بعده عن اللَّه أعظم ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : « من ازداد علماً ، ولم يزدد هدى لم يزدد من اللَّه إلا بعداً » أو لفظ هذا معناه . ثم قال تعالى : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ قال الليث : هو اللهث هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر ، فإنه يدلع لسانه من العطش . واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب ، وإنما وقع بالكلب اللاهث ، وأخس الحيوانات هو الكلب ، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث ، فمن آتاه اللَّه العلم والدين فمال إلى الدنيا ، وأخلد إلى الأرض ، كان مشبهاً بأخس الحيوانات ، وهو الكلب اللاهث ، وفي تقرير هذا التمثيل وجوه : لأول : أن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء ، وفي حال الراحة ، وفي حال العطش ، وفي حال الري ، فكان ذلك عادة منه وطبيعة ، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية ، وطبيعة الخسيسة ، لا لأجل حاجة وضرورة ، فكذلك من آتاه اللَّه العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس ، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا ، ويلقى نفسه فيها ، كانت حاله كحال ذلك اللاهث ، حيث واظب على العمل الخسيس ، والفعل القبيح ، لمجرد نفسه الخبيثة . وطبيعته الخسيسة ، لا لأجل الحاجة والضرورة . والثاني : أن الرجل العالم إذا توسل / بعلمه إلى طلب الدنيا ، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها ، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات ، وتقرير تلك العبارات يدلع لسانه ، ويخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا ، فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة ، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة والثالث : أن الكلب اللاهث لا يزال لهثة البتة ، فكذلك الإنسان الحريص لا يزال حرصه البتة . أما قوله تعالى : إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ فالمعنى أن هذا الكلب إن شد عليه وهيج لهث وإن ترك أيضاً